عزت سراج شاعر يكتب القصة

أدب وفن » آراء وقراءات
12 - شعبان - 1434 هـ| 21 - يونيو - 2013


1

الدكتور عزت سراج، شاعر وناقد متخصص، ولكونه كذلك، فإن لغته قوية طيعة، يسيطر عليها لتهبه تميزا يفتقده كثيرون من كتاب القصة القصيرة، أضف إلى ذلك حسه الشعري الذي يتبدى وراء الصور والتراكيب والبناء اللغوي بصفة عامة.

والحس الشعري لا ينفصل عن الحس الإنساني في التقاط اللفظة المعبرة، واللحظة المؤثرة في حياة البشر؛ لذا جاءت معظم القصص مركزة ومكثفة، وبعضها لا يتجاوز سطرا أو بعض سطر، ولكن اقتناص اللفظة واللحظة يمكن الكاتب من تقديم أقصوصة ذات أثر ما، مع قصدها واكتنازها.

والتركيز والتكثيف في القصة يخلص الكاتب من ترهلات وزيادات وفضلات كثيرة، فضلا عن اختفاء الصوت العالي أو الجهارة، ليهمس بما يريد دون ضجيج، وتبدو المفارقة سيدة الموقف في هذه الحال، فهي وسيلة الكاتب الأولى أو المقدمة التي يستخدمها للكشف وإظهار حقائق الواقع وتناقضاته.

اقرأ مثلا أقصوصة (واقع)، وهي مكررة الموضوع، وألح عليها كثير من الكتاب، الكبار والشبان، شخص يحب امرأة، وكانت القرائن والأحوال تقول إنهما سيتوجان حبهما بالزواج، ولكن الظروف تأخذ كلا منهما إلى طريق، ولكنه بعد زمان يفاجأ بها تسير في الشارع ومعها أولادها.

وفي أقصوصة (ذئب) تتجلى المفارقة وتكتمل بالسخرية المدهشة أو غير المدهشة في حقيقة الأمر: (كل الأطفال تقذف النخلة بالحجارة إلا هو، يجلس بعيدا عنهم بثيابه الممزقة. وحين يسقط البلح يجري لينقض على أول واحدة، ويزاحم الأطفال. حين اشتد عوده ـ أخذ يرمي النخلة هو الآخر. وحين تزاحم الأطفال معه تحت النخلة ـ لم يجدوا إلا النوى).

ويبدو أن التركيز أثر في بناء الأقصوصة، وذلك باختفاء الحوار اختفاء يكاد يكون تاما، فقد كان صوت السارد هو الحاضر في كل الأوقات تقريبا، حيث يحكي غالبا بصوت الماضي، كان، صار، أصبح،... حتى عندما يستخدم المضارع، فإن صوت الماضي يهيمن في نهاية المطاف. فلو قال: يجلس، يسقط، يجري، ينقض، يتزاحم، نجد الماضي يظهر ليكون صاحب القول الفصل: اشتد أخذ، وهكذا، فالتركيز في كل الأحوال داخل المجموعة يرتبط بما كان، أو بما أصبح كائنا.

 ولعل هذا يقودنا إلى الموضوع القصصي في المجموعة، وارتباطه بفترة متقدمة في عمر الكاتب، فمعظم الأقاصيص تدور في مرحلة الشباب المراهق أو الذي تخطاها إلى شرخ الشباب كما يقال، ومن ثم نجد المعالجة الأثيرة للعلاقات بين الرجل والمرأة أو الذكر والأنثى، ومع أن البطل يبدو غالبا من الذين يملكون حسا دينيا أو ضميرا تؤرقه قضية الحلال والحرام، فإنه غالبا ما يصحو هذا الضمير عقب ارتكاب خطأ ما أو قبله.

ثمة ظاهرة أخرى تحكم بعض الأقاصيص، وهي الأداء السيريالي أو الحلمي.. نسبة إلى الحلم ـ وتنبع قيمة هذا الأداء في تخطي بعض الصعوبات الفنية لتوصيل الفكرة وترسيخها في ذهن المتلقي، وهو ما نراه على سبيل المثال في أقصوصة (مسافات)، فبطل الأقصوصة يدخل إلى الصلاة ولكنه مشتت القلب.

الإحباط يفرض نفسه في كثير من الأقاصيص، والأحلام المجهضة تبدو حاضرة بقوة في العديد من المواقف القصصية "انظر أقصوصة (الشيخ طه)على سبيل المثال"، ولكن صدمة الواقع، أو انتباهته تعيد الشخصية القصصية ـ وغالبا ما تكون السارد ـ إلى صوابها أو وعيها الحاد بما يجرى.

هذه المجموعة تمتلئ بالقدرة على التعبير الشعري الفائق، الذي يطيح بكثير من النماذج التي تدعي "الشعرية"، وذلك لأن كاتبها ـ كما قلت ـ شاعر، اتجه إلى السرد، فكان الشعر أداته التي تركز المعنى والوصف والموقف والشخصية، وتقطر كل ذلك في نسيج متميز، وهو ما يشي بقدوم كاتب قصة ـ بل رواية ـ يملك طاقات فنية غير محدودة. وينبئ عن أدب جيد لو أتيح له الاستمرار والدأب.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...