أين البداية؟!

كتاب لها
08 - صفر - 1441 هـ| 08 - اكتوبر - 2019


1

كثيرًا ما ينتاب المرء منا حالة من الحيرة الممزوجة بالحزن والضيق عندما يشعر بأن سنوات العمر تنقضي راحلة إلى غير رجعة دون أن يكون قد بدأ حياته الحقيقية التي يحقق فيها طموحاته وآماله، أو ربما يكون الأمر أشد وطأة على نفسه إذا شعر أنه هو نفسه لا يدري ماذا يريد أصلاً لنفسه، وما الدور الذي يحب أن يلعبه على مسرح الحياة ليفيد ويستفيد، وبالتالي فهو عاجز عن تحديد وجهة لقطار عمره الذي يسير رغمًا عنه إلى حيث لم يَختر، ولا طاقة له بإيقافه أو إبطائه ريثما يحدد وجهته وهدفه المنشود.

ومما يساعد على كثرة من يعانون من هذه الحالات عدة عوامل وأمور نذكر من أبرزها ما يلي:

1- طريقة التربية التي نتلقاها منذ الصغر، والتي يهتم فيها الوالدان الحريصان على ولدهما تعليميًا بوصوله إلى كليات القمة بغض النظر عن ميوله وقدراته واستعداداته، والتي ربما يتم تجاهلها تمامًا وإن برزت.

2- البيئة المحيطة والنظرة المجتمعية التي تنظر بإجلال واحترام لبعض المهن أو الحرف دون بعضها الآخر، فكثيرًا من الشباب قد يختار وظيفة أو حرفة معينة ليس لأنها تلبي طموحاته، وتناسب قدراته، ولكن لأنها تلقى احترامًا ووجاهة اجتماعية أكثر من غيرها.

3- النظام التعليمي الذي يقوم الالتحاق فيه بالكليات على أساس ومعيار واحد في أغلب البلدان العربية، وهو مجموع الدرجات في نهاية المرحلة الثانوية، هذا فضلاً عن تدني المستوى التعليمي بشكل عام، وعدم مراعاته لمتطلبات سوق العمل.

4- غياب التوعية الثقافية والأخلاقية والنفسية والعلمية والمهنية، فكل هذه الأنواع من التوعية لها دور كبير في شعور المرء بذاته، ومساعدته على اختيار القرار الصحيح، أو البدائل المناسبة.

5- ضعف الثقة بالنفس، والتي تميل بالفرد إلى صعوبة اتخاذ قرار حاسم بصدد بدء حياته الخاصة التي اختارها لنفسه، حتى لو كان قد أمضى في الطريق الخطأ شطر عمره.

6- الخشية من عواقب ترك المألوف والمعتاد من حياته التي لا يرى لها معنى ولا يقبلها، إلى حياة أخرى يحبها ويمكن أن يقدم فيها خيرًا كثيرًا؛ لئلا يكون قد باع حاضرًا بغائب، ويقينًا باحتمال.

والذي نستخلصه من ذلك أن مسئولية ما يعانيه هؤلاء ليست وليدة عامل واحد في الغالب، بل هي نتاج تضافر عديد من العوامل والظروف، وهذا يعد سببًا جيدًا لئلا يسرف بعضنا في لوم نفسه على ما آل إليه، أو يجلد ذاته بسياط اتهام نفسه بالعجز والقصور عن الوصول إلى شاطئ الأمان والاستقرار النفسي والمهني.

ولكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن نجعل من هذه الأسباب والعوامل تكأة أو مِشْجبًا نعلق عليه أخطاءنا، أو عدم بذل الوسع في معالجة أي قصور، أو التخلي عن شيء من آمالنا وأهدافنا المشروعة، وأحلامنا الجميلة.

بل إنني أعد هذه الجلسة أو الحالة- التي تحدثنا عنها في بدء المقال- ذات فائدة، ويمكن أن تصلح كأفضل بداية إذا استثمرناها بشكل صحيح وبنّاء، ووجّهناها الوجهة الصالحة، وبدلاً من أن تكون سببًا لكبير ألم أو حزن، أن تكون دافعًا وحافزًا إلى البحث في أغوار الذات عما نمتلكه من طاقات وقدرات وإمكانات؛ فهذا خير من تبديد الوقت في ندم لا يجدي نفعًا، أو في يأس محبط، أو في لوم للنفس محزن مؤلم.

وأيًّا ما تكون المرحلة العمرية التي نبدأ فيها تصحيح وجهتنا، فيجب أن نصر ونصمم على ضبط بوصلتنا قبل استكمال الطريق؛ فهذا خير من أن نستمر في الطريق الخطأ، أو حتى في الطريق المتاح الذي لا يلبي طموحاتنا وأهدافنا، ولا يقولن قائل: ما مضى أكثر مما بقى. شريطة أن يُقدِّر لخطواته قبل أن يخطوها.

إن إعادة اكتشاف الذات عملية حيوية لابد منها إذا أردنا أن نكون راضين عن حياتنا، ومتوافقين منسجمين مع أعمالنا، وقادرين على أن نمارس دورًا فاعلاً في بيئتنا ومجتمعنا، لا أن نكون مفعولاً به، أو لا محل لنا من الإعراب.

ولست أشك في أن هذه العملية تتطلب جهدًا وإرادة، ولكن قليلاً من التعب وحسن تقدير الأمور والصبر وشحذ الذهن والوعي لبداية موفقة وصحيحة، أفضل من ذهاب العمر سدى فيما لا يناسبنا، ولا يحقق شيئًا من آمالنا.

والذي لا يجب أن ننساه أن هذه العملية يمكن أن يساعدنا عليها أمور منها:

1- مجاهدة ذاتية واستبطان نفسي لمعرفة مواطن اهتماماتك وتميزك، وكتابتها في ورقة، ثم تحديد أيها أقرب إلى نفسك، وأكثرها إسعادًا لك عند ممارستها.

2- صديق صدوق مقرب منك، أو شخص تثق فيه كثيرًا يتحلى بسعة الإدراك والفطنة، تطلب منه أن يخبرك عن أهم ما يميزك، ومن خلال كلماته يمكنك استشفاف مواطن قوتك ومهاراتك.

3- الإقبال على تعلم مهارة جديدة متاحة، وقبول تجريب مسئوليات جديدة تناط بك، أو أعمال توكل إليك، فقد يكتشف المرء أحيانًا قدرات كامنة فيه بطريقة غير مباشرة أو دون تقدير مسبق منه.

ويطيب لي أن أذكر هنا مثالين حدثا لصديقين مقربين مني، وإن كانت الأمثلة والشواهد على هذا الأمر أكثر من أن تحصى قديمًا وحديثًا لمن تأمل وتدبر:

فأما المثال الأول، فصديق كان يعمل عاملاً بأحد المصانع بشهادة ثانوية فنية، حيث لم يكن قد تمكن من إكمال تعليمه الجامعي، ولكنه كان حسن الطرفة لبقًا في معاملاته، وقد أشار عليه بعض أصدقائنا بأن يدخل مجال التجارة، وليبدأ بشيء بسيط، فتردد فترة ثم عزم على البدء، فمارس التجارة في أثناء عمله بالمصنع، حيث كان يعرض على زملائه بالمصنع أن يشتري لهم ما يحتاجونه ويمكنه أن ييسر عليهم الدفع بنظام التقسيط، ونتيجة لعلاقاته المتميزة فقد صار كل من أراد شيئًا يحرص على أن يخبره، فيأتي به صديقي في الموعد المتفق عليه، وهكذا صار أغلب وقته بعد العمل يقضيه في شراء أشياء طلبها زملاؤه في يوم العمل، ثم يسلمها لهم في اليوم التالي أو بحسب الاتفاق، ولم يمر عليه عشرة أعوام حتى تكونت لديه خبرة ممتازة، أصبح بسببها مُقربًا من مدير المصنع ومستشارًا له في كثير من الأمور، ولكن صديقي مع ذلك قرر أن يستقل بنفسه، ويغير وظيفته إلى مجال التجارة، وقد أخبرني في تلك الفترة أن عدد زبائنه لا يقل عن ألف شخص، فافتتح مكتبًا تجاريًا، وما لبث بعد عامين أن اشترى سيارة وشقة جديدة، وصار لديه عدد من الموظفين في مكتبه حتى صارت شركة صغيرة.

وأما المثال الثاني فكان أكثر عجبًا، فقد كان لصديق تخرج في كلية اللغة العربية، وكان يعمل معي محققًا لكتب التراث في إحدى دور النشر، ولكنه كان شديد الحب للعمل مع الأطفال، وكذلك كانوا يحبونه، وقرر بعد سنتين من العمل أن يأخذ دبلومة في تعليم الأطفال ذوي الإعاقة، وكان يأخذ الدورة مساء، وبعد سنتين حصل على شهادة تؤهله للعمل بهذا المجال، فما كان منه إلا أن بحث عن فرصة عمل، وسرعان ما وجدها لقلة من يعملون أو يصبرون في هذا المجال، وقد حقق فيه تقدما سريعا، ولما سألته ذات مرة: أتترك التحقيق ومجال التدريس كله لتبدأ حياتك في مجال جديد تماما؟ كان رده: ولكني أحبه وأجد نفسي فيه.

والذي أحب أن أختم به أن اكتشاف ذواتنا هو أهم عمل يمكن أن نقوم به بين الحين والآخر، لتصحيح المسار، والاقتراب من الهدف، والتوافق مع النفس، ومساعدة نفسك والآخرين على الوصول إلى حياة طيبة وسعيدة.

 

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...